ستة وعشرون عاماً من عمره، والعالم كله عنده اسمه غزة. لم يرَ ما خلف الأسوار. ومع ذلك، كتب عن الإنسانية بأكثر مما كتبه كثيرون جابوا القارات.
سعيد كمال قديح كاتب وأديب من غزة. الكلمة "من غزة" هنا لا تعني مجرد الانتساب الجغرافي — تعني أن الأسوار كانت حدوداً حقيقية لكل ما رآه بعينيه طوال ستة وعشرين عاماً. لم يسافر. لم يخرج. العالم الخارجي كان شيئاً يقرأ عنه، لا يلمسه.
حين تصبح الكتابة نافذة لا باباً
الحصار الجغرافي يمكنه أن يقيّد الجسد، لكنه يعجز أمام شيء واحد: العقل الذي قرر ألا يُقيَّد. سعيد لم يكتب ليهرب من الواقع. كتب ليفهمه. ليُعيد رسمه بطريقة تجعل من يقرأ يرى ما لا تلتقطه الكاميرات.
الكتابة ليست حرفة، هي طريقة لرؤية العالم الذي لا تراه.
هذه الجملة تلخّص فلسفة كاملة. الكتابة الحقيقية لا تصف ما هو موجود فحسب — تُعيد بناء ما غاب، وتمنح الكاتب والقارئ معاً حرية لا تستطيع الجدران أن تمنعها.
الهاتف الذي يسرق العمر
في زمن صار فيه الجميع يكتبون على الشاشات — سعيد يطرح سؤالاً حاداً: هل ما نكتبه اليوم كتابة حقيقية، أم أننا نملأ شاشات بكلام لا يُقرأ؟
الهاتف شيطان صغير في يدك.
ليس تحريماً للتكنولوجيا. هو تشخيص لظاهرة يراها يومياً: جيل يملك القدرة على الكتابة، لكنه يفقد القدرة على التأمل. القراءة الحقيقية تحتاج إلى صمت. والصمت صار أكثر السلع ندرةً في عالمنا. أزمة القراءة ليست أزمة وصول — الكتب متاحة أكثر من أي وقت مضى. هي أزمة انتباه. أزمة استعداد لأن تجلس مع نص يطلب منك التفكير لا التمرير.
ما لا تستطيع الخوارزمية أن تكتبه
في النقاش الدائر اليوم حول الذكاء الاصطناعي والكتابة، يقف سعيد قديح في موقف واضح: الكتابة الحقيقية تنبع من تجربة حية، من جرح أو فرح أو حيرة لا يمكن لأي خوارزمية أن تختبرها.
الخوارزمية تعالج الكلمات. الكاتب الحقيقي يعيشها قبل أن يكتبها. هذا لا يعني رفض التطور التقني، بل هو دعوة لأن نفهم أين تبدأ الآلة وأين ينتهي الإنسان.
الحرية التي لا تحتاج إلى جواز سفر
ستة وعشرون عاماً بلا سفر. لكن سعيد قديح زار في كتاباته ما لم يزره كثير من المسافرين. أدرك باكراً أن الحصار الجغرافي هو الأصغر بين أشكال الحصار — الأخطر هو حصار العقل على نفسه، حين يقرر أنه لا يستطيع أن يرى أبعد مما تسمح به الجدران.
الكلمة كانت جواز سفره. والصفحة البيضاء كانت العالم الذي لم يستطع أحد أن يمنعه منه.
استمع إلى الحلقة كاملة مع سعيد كمال قديح في إذاعة محيط — منحنى: youtube.com/watch?v=B6xPLer9_1U



